الثلاثاء، ديسمبر 04، 2007

من رسائل ابن عربى : الدرة البيضاء – العجالة – عقيدة أهل الإسلام


من رسائل ابن عربى الدرة البيضاء – العجالة – عقيدة أهل الإسلام([1])

تنوعت مصنفات ابن عربى تنوعا كبيرا ، وهناك بعض الرسائل التى امتازت بمنهج خاص بها عرضنا لنماذج لها فيما سبق .

كما أن له رسائل أخرى لا تمتاز بمنهج خاص ، وهو ما سوف نتكلم عنه الآن .

1- فمن ذلك رسالته ((الدرة البيضاء)) ، وهى من رسائله الكلامية المهمة ، ، ويربط فيها بين الاعتقاد والتصوف والسلوك بسلاسة واقتدار ، والذى تحدث فيها عن مشكلة الوجود ، ونظرية الفيض والعقل الأول وعارض بها نظرية الفارابى ، وبين فيها أن الله تعالى هو الوجود المطلق لا عن عدم ، وأن كل ما سواه فهو موجود به ، وتكلم فيها عن علاقة الصفات الإلهية العلية بالذات الإلهية ، ثم تكلم عن حدوث العالم ووجوده من العدم ، ثم تكلم عن نظريته فى العقل الأول ، وأنه جوهر فرد قائم بنفسه غير متحيز فى المذهب الأصح ، تجلى له بذاته فأفاض عليه المعلومات كلها ، ثم أخذ يلتمس لهذه النظرية أصولا إسلامية من روايات الحديث الشريف الواردة فى فضل العقل ([2]). ثم أخذ فى الكلام على القلم أو الروح الكلى كما سماه بعضهم أو الحق المخلوق به أو العدل ، أو اللوح عند بعضهم ، ... .

وينبه ابن عربى على الفرق بين نظريته فى العقل الأول وبين نظرية الفارابى فيقول : ((واعلم أن هذا العقل الأول الصادر من الله تعالى وحده وصدور الأشياء على التوالى ما ذلك لما يقتضيه وجود الحق ، وأنه مثلا لا يمكن أن يصدر عنه إلا واحد ، وأن هذا محال ، ولكن أراد ذلك وشاء ، ولو شاء الله أن يخلقهم فى الآخرة دون الدنيا ، وينزل كل منزول منزله ومسكنه من غير تكليف سابق لم يكن ذلك عليه بعزيز ...))([3]) ثم أفاض فى بيان ذلك ، إلى أن قال : ((ثم اعلم أن معنى قول من قال إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد فليس كما تخليه مخالفوا أهل الحق المطموسة بصائرهم عن الاستبصار بنور الشرع والعقل السليم ، حيث تحكموا فى معرفة موجودات لا يصح إدراكها إلا بطريق الكشف وأخبار الصادق عن الله لا غير لا بالفكر ... وهذا هذيان طويل لا تحصيل له))([4]) ، ثم أخذ فى بيان وجه ذلك .

ويؤكد فى سبيل ذلك على أن كلامنا على ترتيب نضدد العالم وتوقف بعضه على بعض فإنما هو على حسب ما رتبه الله للعالم ، لا على أن ذلك يقتضيه حقيقته ، وأنه لا يجوز إلا ذلك ، بل يمكن هذا الترتيب ، ويمكن خلافه ، ويمكن أن يوجد الله عالم الأجسام قبل عالم الأرواح ، ويقرر قاعدة مهمة توضح وجهة نظره فى معنى الوجوب والإمكان ، والفرق بين الوجوب الذاتى والوجوب الشرعى فيقول : ((والممكن لا يصير واجبا أبدا لذاته ، ولا يعقل وجوب شىء إلا لذاته ، والوجوب الشرعى لا يزيل الممكن عن حقيقة إمكانه ، ولو صح أن يصير الممكن واجبا يقتضيه العقل لاقتضى أيضا أن يصير الواجب ممكنا وأدى ذلك إلى بطلان الحقائق ، ولم يبق بأيدينا علم أصلا))([5]) .

وهو فى هذه الرسالة يصب الكلام صبا ، وينتقل من كلام إلى آخر دون أن يجعل أبوابا أو فصولا أو تراجم من أى نوع ، بل الرسالة من أولها إلى آخرها كالفقرة الواحدة لأنها تتكلم عن مسألة واحدة ، من ثم يقول فى خاتمتها : ((وبسطنا القول فيها وكررنا من أجل فهم الناظر فيها فإنه ليس كل فهم يكون له سرعة النفوذ وفهم الكلام الموجز)) ، وهذه هى الإشارة الوحيدة فى الرسالة عن منهج تصنيفه فيها : بسط القول – التكرار – مراعاة فهم الناظر فى الرسالة – الكلام الموجز يحتاج إلى سرعة نفوذ الفهم .

2- ومن رسائله المهمة أيضا ((العجالة)) ، التى خصصها للكلام عن القلب الإنسانى الذى هو عبارة عن الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشئون الربانية ، وبين الخصائص والأحوال الروحانية والطبيعية ، وبها أعنى حقيقة القلب تنشأ عرصتها وتنسبط أحكام شأنها ، وتظهر من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلهية والكونية ، وما يشتمل عليه هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة ، وما يتولد من بينها بعد الارتياض والتحنك والتزكية وزوال الأحكام الانحرافية وغلبة الاعتدال ... فالسير والسلوك والرياضة وكل ما هنالك فهو لتحصيل الرتبة الاعتدالية الواقعة بين أحكام العلم والاعتقاد الصحيح ، وبين الأعمال والأخلاق والصفات على مقتضى الموازين العقلية والشرعية([6]) ، ثم تطرق بعد ذلك إلى الكلام عن التوجهات القلبية ، وكيفية الحضور القلبى فى الذكر ودفع الخواطر ،والتوجه القلبى والتدرج فى الذكر والترقى ، بقطع التعلقات الظاهرة والباطنة وتفريغ القلب من جملة الارتباطات الحاصلة بعد الإيجاد بين الإنسان وبين الأشياء كلها([7]) . وكيف ينتقل من النفخة الأولى إلى النفخة الإلهية الثانية التى يعبر عنها القوم بالتأييد القدسى ، أو بالتنزلات الملكية ، أو بالمنازلات ، أو تجليات الأسماء والصفات ، ثم بعد ذلك يكون التجلى الذاتى المستلزم بما لا ينال وما لا يعرف سره فى غير الكمل([8]) .

والرسالة على أهميتها للسالك أرسلها مؤلفها فى الإجمال ، وإن كان فصل فى بعض الأحيان بين موضوعاتها بفصول قليلة ، ينتقل بها من موضوع إلى آخر ، فى سلاسة ويسر ، ويقول فى خاتمتها : ((وما ذكرنا فى هذه العجالة وإن كان أصلا جامعا فإنما يأخذ كل أحد منه ما يستعد له ، وما يساعد عليه وقته وحاله ، فإنما يأخذ كل أحد منه ما يستعد له ، وما يساعد عليه وقته وحاله ، و{ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} ... ))([9]) .

3- ومن رسائله القيمة أيضا رسالة ((عقيدة أهل الإسلام)) ، الذى يذكر فيها عقيدته ، ومن هنا تكتسب أهميتها فى بيان ما هو عليه من اعتقاد ، فمن ذلك قوله : ((تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو يكون بعدها أو يكون قبلها))([10]) ، وقوله ((علم الكليات على الإطلاق ، كما علم الجزئيات بإجماع أهل النظر الصحيح واتفاق))([11]) ، ومما قاله بخصوص السمعيات : ((وإنى مؤمن بكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم ما علمت به وما لم أعلم ، مما جاء به وقرر ...)) .

وقد صدر رسالته بقوله : ((أشهدكم بعد أن أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضر من الروحانيين أنى أشهد قولا وعقدا أن الله إله واحد ...))([12]) ، وختمها بقوله : ((فهذه شهادتى على نفسى ، أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤديها ...))([13]) .

وهى من رسائله السلسلة السهلة الأسلوب ، وقد صار فيها على طريقة عامة العقائد المختصرة من سرد الكلام سردا ، وإن كان يمتاز كلامه عليها بالنفس الصوفى الظاهر على هذه الرسالة .


([1]) ابن عربى ، الدرة البيضاء ، ومعها رسالتان : العجالة ، وعقيدة أهل الإسلام ، بتحقيق د. محمد زينهم محمد عزب ، القاهرة : مكتبة مدبولى ، ط 1 ، 1413هـ / 1993 م ، 62 ص .

([2]) ابن عربى ، الدرة البيضاء ، بتحقيق د. محمد زينهم محمد عزب ، القاهرة : مكتبة مدبولى ، ط 1 ، 1413هـ / 1993 م ، (ص 13 – 15) .

([3]) ابن عربى ، الدرة البيضاء ، (ص 21) .

([4]) ابن عربى ، الدرة البيضاء ، (ص 22) .

([5]) ابن عربى ، الدرة البيضاء ، (ص 23 ) .

([6]) ابن عربى ، العجالة ، (ص 28 - 29) .

([7]) ابن عربى ، العجالة ، (ص 35) .

([8]) ابن عربى ، العجالة ، (ص 36) .

([9]) ابن عربى ، العجالة ، (ص 42 – 43) .

([10]) ابن عربى ، عقيدة أهل الإسلام ، (ص 46) .

([11]) ابن عربى ، عقيدة أهل الإسلام ، (ص 49) .

([12]) ابن عربى ، عقيدة أهل الإسلام ، (ص 45) .

([13]) ابن عربى ، عقيدة أهل الإسلام ، (ص 53) .