الثلاثاء، يوليو 31، 2007

هارى بوتر - قراءة نقدية

هارى بوتر - قراءة نقدية
مدخل : أقرأ الآن قصص هارى بوتر الشهيرة ، فى ترجمتها العربية ، التى قامت بها أحد دور النشر الشهيرة بمصر (نهضة مصر) ، وصدرت منها حتى الآن ستة أجزاء .
لقد جذبت هذه القصص فى أول الأمر ابنى الكبير محمد (12 سنة) ضمن من جذبتهم على مستوى العالم كله ، فأردت فى بادئ الأمر أن أقرأها حتى أعرف ماذا يدخل إلى عقل ابنى ، خاصة أنه قصة غربية مترجمة ، ولأن الأدب أحد أوعية الفكر والثقافة والحضارة ، فقد أحببت أن أتعرف على هذا الذى يتسرب إلى عقل أحد أبنائى حتى أستطيع أن معالجة ما يحتاج إلى معالجة ، ونقد ما يحتاج إلى نقد .
ومع كونى فى الأساس متصلا بثقافة الغرب وأقرأ كثيرا من المترجمات إلى لغتنا العربية فى مجال الأدب والفكر والثقافة والفلسفة والدراسات الإسلامية ... ونحو ذلك مما يدخل فى إطار اهتماماتى الثقافية إلا أن مدخل قراءتى لقصص هارى بوتر فى أول الأمر هو : الرقابة الأبوية الضرورية لما يقرأه الأبناء . ثم توافرت المعلومات عن شهرة هذه القصص ، وانتشارها فى أوعية ثقافية مختلفة من أفلام ورسوم متحركة وألعاب كمبيوتر ، بل وملابس وألعاب للأطفال تحاكى أدوات أبطال القصة ، إذن هذه القصص ستشكل وجدان جيل أو أكثر أكمله ، وسأجد نفسى – كرجل مشتغل بالإسلام – عند التواصل مع هذه الأجيال بحاجة إلى معرفة جيدة بما شكله وجدانه ، حتى يكون تواصلى معه جيدا ، وحتى أستطيع أن أنقل له الإسلام بأساليب تناسبه ، وتناسب طرائقه فى التفكير والخيال والوجدان .
لقد كانت مهمة المشتغل بالدعوة قبل عصر العولمة أسهل كثيرا ، حيث تتشكل وجدانات الناس من خلال الأدب الشعبى ، والأمثال ، والأعراف السائدة ، والتواصل المستمر مع علماء الدين فى المسجد والحياة اليومية ، وكل ذلك كان يؤدى إلى ثقافة سائدة واحدة متقاربة وغير متعارضة يتشكل من خلالها ضمير الأمة وعقلها الجمعى وأسسها الاجتماعية ، ولهذا كانت مهمة رجال الدعوة أسهل وأقرب .
أما الآن فى عصر العولمة الثقافية بكل تناقضاتها وتعقداتها ، فليس هناك ثقافة سائدة واحدة ، وليس هناك ضمير واحد للأمة ، وليس هناك عقلى جمعى واحد يتفق على أسس اجتماعية واحدة لما يقبله المجتمع أو يرفضه ، ومن هنا صار كل هذه الصراعات والمشكلات الاجتماعية الراهنة .
ومن جهة أخرى أعترف أن القصص استطاعت أن تجذبنى - رغم أنها كتبت فى الأساس لصغار السن – لمستواها الأدبى المتميز ، وخيالها المتسع ، لقد استطاع الكاتب أن ينشأ حياة أخرى خفية موازية لحياتنا ، واستطاع أن يعطى لهذه الحياة الأخرى كل أدواتها وتفاصيلها الدقيقة فى براعة وتكامل .
ولست هنا فى معرض النقد الأدبى لهذه القصص ، فلهذا الأمر أدواته ورجاله ، لكن أعجبنى فى الحقيقة قدرته على السرد ، والعناية بتفاصيل الشخصيات ، وتصوير المشاهد والمواقف فى دقة بالغة وبكل رتوشها .
لقد استطاع أن يقدم الكاتب متعة وإثارة وتشويقا هم – فيما أظن – سبب هذه الشهرة والنجاح على مستوى العالم ، خاصة وأنه يقدم ذلك من خلال إطار أسطورى متشابك مع الإطار الواقعى المعاش ، فلم يقدمه فى إطار أسطورى محض ربما لا يتقبله الكثيرون ، ولا فى إطار واقعى محض ربما يفر منه الكثيرون أيضا .
ومهما قيل عن الأدب للأدب ، والفن للفن ، يعنى أنه من الممكن أن يقدم أدبا من أجل الأدب والمتعة الفنية والأدبية فحسب دون محتوى قيمى أو أيدلوجى ، وإنما فقط من أجل الأدب والمتعة ، فإنى أرى أن هذه الدعوى أيضا محملة بمحتوى قيمى أنه : لا قيم ، ولا أيدلوجيا ، فهذه الدعوى تعلن موت القيم والأيدلوجيا ، وأن يصبح الإنسان بلا قيم ، وإنما يبحث عن المتعة فحسب ، والمتعة هنا بمعناها الواسعة وليس المحصورة فى المتعة الجنسية فقط .
ومن هنا فأنا لا أستطيع أن أتلقى أى وعاء ثقافى دون أن أنتقد محتواه القيمى ، وأتحقق من مدى ملائمته لقيمى كمسلم .
وفى هذا الإطار أقرأ وأتفرج وأتلقى هارى بوتر أو غيره من أوعية ثقافة الغير ، لا أتلقاه بعقل نائم ، ولا بعقل غافل ، بل بعقل يقظ ناقد مستبصر ، ولهذا لا أخاف من قراءة أى شىء ، أبحث فيه عما يفيدنى ، وأتعرف منه على ما يدور فى الدنيا حولى ، وأدرك به ما يشكل وجدان الناس وعقولهم .
وفى إطار هذا المدخل يمكن تقديم بعض الملاحظات :
1- تطرح قراءة القصص منذ البداية سؤالا عن إمكانية تقديم أدبا عولميا ، وليس أدبا عالميا ، حيث إن هذه القصص كتبت فى عصر العولمة (الأرض قرية صغيرة وعالم واحد) ، وليس العالمية (حضارات وثقافات متعددة من ينجح فى مخاطبة المشترك يصير عالميا) ، والإجابة أن الكاتب ما زال – رغم أنه يعيش فى الغرب – يعيش فى عصر العالمية ، وفى عصر مركزية الغرب للحضارة الحديثة ، والكاتب منحصر تماما فى جغرافية بلاده المملكة المتحدة ، رغم أن العالم السحرى الأسطورى الذى صاغ قصصه فى إطاره قادر تماما على كسر حواجز الجغرافيا ، لكن الكاتب الغربى الذى تربى وجدانه على مركزية الغرب ومركزية حضارته لا يجد حاجة إلى ذلك لأنه فى المركز أصلا بحسب تصوره الحضارى . ولهذا فإن مفهوم العولمة الغربى هو مفهوم خطير للغاية مبنى على مركزية الحضارة الغربية وهامشية الحضارات الأخرى ، حيث أصبحت الحضارة الغربية = الحضارة الإنسانية ، وهذه منتهى الأنانية والمركزية والتهميش لحضارات الآخرين ، والعولمة لا تعدو أن تكون إعادة لما صنعه الغرب بحضارة الهنود الحمر (= إبادة) . ولا أدرى لماذا لم يستغل الكاتب الإمكانات الهائلة للإطار السحرى الأسطورى فى الترويج للعولمة الغربية ، هل له موقف فكرى منها ، حيث صمم الكاتب أن يقف على حدود العالمية التى كانت سائدة فى الغرب حتى تسعينيات القرن العشرين . أم أنه فشل فى التأقلم مع تلك العولمة التى يريدون أن يروجوها بيننا بشتى السبل .
2- ينقلنا ما سبق إلى سؤال آخر : هل يمكن تقديم أدب إنسانى رفيع يخاطب المشترك بين كل الناس ؟ لا شك أن محاولة تقديم مثل هذا ستكون تجربة إنسانية رفيعة المستوى ، وإن كنت أؤمن تمام الإيمان أن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن تحيزاته الفكرية والثقافية والقيمية حتى وهو يبحث عن المشترك محاولا الابتعاد عن المختلف ، فإن معالجة المشترك أيضا لن تخلو من تأثر بالمختلف ، ولهذا فإن أعظم الكتاب والأدباء إنسانية لم يستطيعوا أن يتخلصوا من هذا أبدا . لكن كاتب هارى بوتر لم يحاول من الأساس أن يبحث عن المشترك ، أو يتخلص من المختلف أو يخفف من حدته ، بل هو غارق حتى أذنيه فى موروث الغرب الشعبى والأدبى والأسطورى عن السحرة ومصاصى الدماء ، وطلب الخلود ، لكن المؤكد أن الكاتب استطاع أن يتخلص من مسيحيته بصورة كبيرة إن لم تكن نهائية ، ففيما عدا الموقف الغربى من السحر الأسود وحرق السحرة ، وهو موقف كنسى فى الأساس ، واتهام الكنيسة للنساء بالهرطقة والسحر ثم إحراقهن أمر كان شائعا فى الغرب أكده الكاتب فى أكثر من إشارة ، فيما عدا ذلك لا أكاد ألحظ أثرا للمسيحية على الكاتب ، ولكن أثر العلمانية وقيم الاستنارة الغربية ظاهرة عليه تماما ، فهناك تأكيد دائم على محاربة الشر ، وعلى ضرورة انتصار الخير فى النهاية ، وأهمية الصدق ، والتزام القوانين العامة والنظام العام ، وعدم استثناء أى إنسان منها كبر شأنه أو صغر ، ومحاربة الفساد ، وأهمية الصداقة الإنسانية والأسرة ، ونقد القيم السلبية نحو الغرور والحسد والقسوة ونحو ذلك من القيم العظيمة التى نجحت العلمانية الغربية (ونرى نحن المسلمون أن هذه قيم إسلامية بالأصالة أخذها الغرب عنا) فى ترسيخها وتربية شعوبها عليها فى الجملة ، وإن كانت العلمانية الغربية تتعامل مع شعوب الآخر بقيم مختلفة مبنية على الأنانية والمركزية والاستغلال ، وهذه أحد مآزق العلمانية الغربية (النفاق الحضارى) ، بينما الحضارة الإسلامية – رغم ضعفها العام الآن – تتعامل فى الأساس مع الكل بمنظومة قيمية واحدة مبنية على العدل والصدق واحترام الآخر .
3- يمجد الكاتب فى إشارات عدة التقنية (التكنولوجيا الحديثة) والمخترعات ، ويقدمها فى صورة متناقضة طريفة تعلى من شأنها ، حيث يفاجأ السحرة دائما أن لدى العامة (غير السحرة) من الوسائل ما يجعلهم يتمكنون من تجاوز المكان أو الزمان دون سحر ، مما يثير إعجاب السحرة كيف استطاع العامة تحقيق ذلك دون سحر .
4- الإطار السحرى الأسطورى المتشابك مع الإطار الواقعى الذى التزمه الكاتب فى قصصه يؤكد على فكرة إمكانية وجود عوالم كاملة متوازية أو متشابكة ، وهو الذى نؤمن به كمسلمين بالفعل من عوالم الغيب والشهادة كعالم الجن والملائكة ، وحياة البرزخ ، والبعث والنشور ، وهناك فارق واضح بين الأسطورة والغيب والسحر . فهناك إذن ثلاثة مستويات : المستوى الأول : الأسطورة وأظن أنها تقع فى دائرة المباح طالما أننا نعرف أنها أساطير ، وفى الحديث الصحيح أن السيدة عائشة كان عندها فى صغرها الخيل ذوات الأجنحة كشىء يلعب به الأطفال فلم ينكره النبى صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك كان شائعا عندهم أنه من خيل سيدنا سليمان عليه السلام(
[1]) ، فإذن كانوا يتحاكون الأساطير ويرونها للأطفال ويجيزون ذلك ولا ينكرونه . إذن فتحاكى أساطير الأدب لا شىء فيه .
5- والمستوى الثانى : السحر ، ولا شك أن السحر (السحر الأسود) كفر ، ولهذا ربما حاك فى صدر القارئ المسلم ذلك الإطار الذى السحرى الذى صورت فيه هذه القصص ، وإن كان الكاتب يؤكد مرارا على محاربة السحر الأسود وأنه أمر شرير وأن الذى يعمل به من الأشرار الذين يحاربهم الجميع ، ويبقى الإطار السحرى الذى يصوره ويهيم فيه هو معروف عند المسلمين قديما بعلم الحيل ، والعلم بخواص الأشياء وطبائع الحروف والأرقام ، وهى علوم وقع الخلاف فيها قديما ، على أن الإطار الأسطورى الذى حيكت فيه القصص يجعل من السحر (= الحيل) أمر أسطوريا أيضا ، ولهذا فلا مانع عندى من قراءة مثل ذلك مع الانتباه إلى ألا يكون فى ذلك ترويج لأمر ممنوع ، وتسهيل لقبوله .
6- ويبقى المستوى الثالث : وهو الإيمان بالغيب عند المسلمين ، وهو عقيدة واجبة عند المسلمين ، ومن الغيب ما هو واقع بالفعل كالجن والملائكة والبرزخ لمن مات بالفعل ، ومنها ما سيقع حتما كيوم القيامة بأحداثه العظيمة ، وبينما يتقبل العقل المسلم هذا الغيب كجزء من عقيدته لصدق الكتب السماوية والأخبار النبوية عنده ، وعدم وجود ما يحيله العقل فى حدوث ذلك ، نجد أن كثيرا من مدعى الحداثة والتنوير يتوقف فى قبول كثير من السمعيات بدعوى أن عقولهم لا تتقبلها وحواسهم الظاهرة لا تدركها ، وهؤلاء ننصحهم بقراءة قصص هارى بوتر ومحاولة تنمية الملكات النفسانية الأخرى غير العقل كملكة الخيال ، وتنمية مدركاتهم الأخرى غير المدركات الحسية كالمدركات الباطنة ، ليعلموا أن هناك ما هو وراء الحس .وختاما فإن الإنسان حتى يظل محافظا على إنسانيته لا بد أن يحقق التوازن والانفتاح ، فكما هو بحاجة للحس بحاجة لما وراء الحس ، ولولا السعى لما وراء الحس ما ظهرت أغلب المخترعات الحديثة التى حاولت أن تنجح فى تجاوز عالم الحس بمحدوديته ونجحت فى ذلك فأصبحت ترى أبعد مما يستطيع بصرك أن يدركه بمفرده ، وأصبحت تسمع أبعد مما يستطيع سمعك أن يسمعه بمفرده وهكذا . ولهذا فأعجب لدعاة المدنية الحديثة كيف ينكرون عالم الغيب ، وخوارق الحس والعادة يصنعونها بأيديهم ولا تعجزهم ، فهل تعجز الخالق الصانع العظيم .
([1]) أخرج أحمد (2/288) ، وأبو داود (4932) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (كالصفة تكون بين يدي البيت وقيل شبيهة بالرف والطاق) ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا عائشة ؟ قالت : بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال : ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت : فرس . قال : وما هذا الذي عليه ؟ قالت : جناحان . قال : فرس له جناحان ؟ قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة ؟ قالت : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه .